الغزالي

60

إحياء علوم الدين

بعد المخاصمة والمطالبة ، والسؤال والجواب والحساب . قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « ما النّار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد » وروى أن رجلا قال للحسن : بلغني أنك تغتابنى . فقال ما بلغ من قدرك عندي أنى أحكمك في حسناتي . فمهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في الغيبة ، لم يطلق لسانه بها خوفا من ذلك وينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه ، فإن وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه . وذكر قوله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس » ومهما وجد عيبا ، فينبغي أن يستحيي من أن يترك ذم نفسه ، ويذم غيره . بل ينبغي أن يتحقق أن عجز غيره عن نفسه ، في التنزه عن ذلك العيب ، كعجزه . وهذا إن كان ذلك عيبا يتعلق بفعله واختياره . وإن كان أمرا خلقيا ، فالذم له ذم للخالق ، فإن من ذم صنعة فقد ذم صانعها . قال رجل لحكيم يا قبيح الوجه ، قال ما كان خلق وجهي إلى فأحسنه . وإذا لم يجد العبد عيبا في نفسه ، فليشكر الله تعالى ، ولا يلومن نفسه بأعظم العيوب ، فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة من أعظم العيوب . بل لو أنصف لعلم أن ظنه بنفسه أنه بريء من كل عيب ، جهل بنفسه ، وهو من أعظم العيوب . وينفعه أن يعلم أن تألم غيره بغيبته ، كتألمه بغيبة غيره له . فإذا كان لا يرضي لنفسه أن يغتاب ، فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه . فهذه معالجات جملية أما التفصيل فهو أن ينظر في السبب الباعث له على الغيبة ، فإن علاج العلة بقطع سببها وقد قدمنا الأسباب أما الغضب فيعالجه بما سيأتي في كتاب آفات الغضب ، وهو أن يقول إني إذا أمضيت غضبي عليه ، فلعل الله تعالى يمضى غضبه على بسبب الغيبة ، إذ نهاني عنها فاجترأت على نهيه ، واستخففت بزجره . وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « إنّ لجهنّم بابا لا يدخل منه إلَّا من شفى غيظه بمعصية الله تعالى » وقال صلى الله عليه وسلم [ 4 ] « من اتّقى ربّه كلّ لسانه ولم يشف غيظه »